الشيخ حسن أيوب

59

الحديث في علوم القرآن والحديث

من سواه من الأنبياء ، ولما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلم إليهم وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء وتحداهم على أن يأتوا بمثله ، وأمهلهم طول السنين ، فلم يقدروا كما قال تعالى : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [ سورة الطور آية : 34 ] ، ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [ سورة هود آية : 13 ، 14 ] . ثم تحداهم بسورة في قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ . . . [ سورة يونس آية : 38 ] ، ثم كرر في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . . . . [ سورة البقرة آية : 23 ] ، فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء ، نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن الكريم فقال : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ سورة الإسراء آية : 88 ] فهذا ، وهم الفصحاء اللّدّ وقد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره وإخفاء أمره ، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعا للحجة ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه ، بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى ، فتارة قالوا سحر ، وتارة قالوا شعر ، وتارة قالوا أساطير الأولين ، كل ذلك من التحير والانقطاع ، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم وسبي ذراريهم وحرمهم ، واستباحة أموالهم ، وقد كانوا آنف شيء وأشده حمية ، فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه ؛ لأنه كان أهون عليهم . كيف وقد أخرج الحاكم عن ابن عباس قال : جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال : يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه لئلا تأتي محمدا لتتعرض لما قاله ، قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا ، قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك كاره له ، قال : وماذا أقول ؟ فو اللّه ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ، ولا برجزه ، ولا بقصيده ، ولا بأشعار الجن ، واللّه ما يشبه الذي نقول شيئا من هذا ، واللّه إن لقوله الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته ، قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه ، قال : فدعني حتى أفكر ، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره . قال الجاحظ : بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا ، وأحكم ما